الشنقيطي

488

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

التملك على اللبس ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بين أن ما حرمه من اللبس لا يتعدى إلى غيره ، وما أباحه من التملك لا يتعدى إلى اللبس . قالوا : وهذا عين إبطال القياس . وقالوا : وقد صح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من حديث أبي ثعلبة الخشني ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه فرض فرائض فلا تضيّعوها ، وحدّ حدودا فلا تعتدوها ، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها » « 1 » ، قالوا : وهذا الخطاب عام لجميع الأمة أولها وآخرها . قالوا : وقد جاء عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بإسناد جيد من حديث سلمان رضي اللّه قال : سئل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن أشياء فقال : « الحلال ما أحلّه اللّه ، والحرام ما حرّم اللّه ، وما سكت عنه فهو ممّا عفا عنه » « 2 » . قالوا : وكل ذلك يدل على أن المسكوت عنه معفو عنه ؛ فلا يجوز تحريمه ولا إيجابه بإلحاقه بالمنطوق به . قالوا : وقال عبد اللّه بن المبارك : ثنا عيسى بن يونس ، عن جرير بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن أبيه عن عوض بن مالك الأشجعي رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة ، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم ؛ فيحلون الحرام ويحرمون الحلال » « 3 » . قال قاسم بن أصبغ : حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي ، ثنا نعيم بن حماد ، حدثنا عبد اللّه . . فذكره وهؤلاء كلهم أئمة ثقات حفاظ ؛ إلا جرير بن عثمان فإنه كان منحرفا عن عليّ رضي اللّه عنه ، ومع ذلك فقد احتج به البخاري في صحيحه ، وقد روي عنه أنّه تبرأ مما نسب إليه من الانحراف عن عليّ ، ونعيم بن حماد إمام جليل ، وكان سيفا على الجهمية ، روى عنه البخاري في صحيحه . قالوا : وقد صح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صحة تقرب من التواتر أنه قال : « ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم ، ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم » . وقد قدمنا إيضاح مرادهم بالاستدلال بالحديث . وقد ذكروا عن الصحابة والتابعين آثارا كثيرة في ذم الرأي والقياس ، والتحذير من ذلك . وذلك كثير معروف عن الصحابة فمن بعدهم . وذكروا كثيرا من أقيسة الفقهاء التي يزعمون أنها باطلة ، وعارضوها بأقيسة تماثلها في زعمهم . وذكروا أشياء كثيرة يزعمون أن الفقهاء فرقوا فيها بين المجتمع ، وجمعوا فيها بين المفترق ، إلى غير ذلك من أدلتهم الكثيرة على إبطال الرأي والقياس .

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي ثعلبة الخشني الدارقطني في الرضاع حديث ( 42 ) 4 / 183 ، 184 . ( 2 ) أخرجه : الترمذي في اللباس حديث 1726 ، وابن ماجة في الأطعمة حديث 3367 . ( 3 ) أخرجه الحاكم في المستدرك ، كتاب معرفة الصحابة 3 / 547 .